"الويل لرجل القضاء الذي يكتشف زملاؤه أنه أديب!"، هكذا قال (وكيل النيابة) توفيق الحكيم في (زهرة العمر).
وللطنطاوي شكوى مماثلة يقول فيها: "ثم إني قاض وأديب، هذا عملي وتلك صناعتي، لذلك أتردد بين وقار المهنة الذي من شأنه أن أزن كل كلمة بالميزان المعلق في صدر المحكمة، وأن أعدَّ من الواحد إلى اثني عشر قبل أن أنطق بها، وبين الأديب الذي من شأنه البيان والإعلان وأن يكشف عما في نفسه ويُطلع الناس على ما في قلبه ويبيحهم أعمق أسراره ويقول عادة ما يقال وما لا يقال، فهل أستطيع أن أجمع بين الأمرين؟!".
هذه الشكوى والمفارقة بين القاضي والأديب لم تنقطع أبدا، مع أن بينهما من وشائج التاريخ والعلائق ما بينهما، ولا يتم للقاضي قضاؤه إلا بحسن الإبانة وتجويد العبارة، والإحاطة من علوم اللغة بالقدر اللازم، والإحساس بأوجاع الناس وآلامهم وقضاياهم، وهذه خاصية الأديب. ولا يتم للأديب أدبه إلا بأن يتصور القضايا التي يكتب فيها، ويحسن الفصل فيها بميزان عادل لا يخيس، ويتحمل في سبيل ذلك العناء والعنت، وهذه خاصية القاضي.
وقد نفَّر (زكي مبارك) الأدبَ على القضاء، وإن كان يصح لأحد أن يقضي لنفسه فقد قضى لنفسه، وقدَّم الأدب وقلم الأديب في مقالة بليغة عنوانها (رجال الأدب ورجال القضاء) حتى قال: "إن خدمة العدالة من أهم أغراض الأديب، فهو أقدر الناس على وزن المعاني، وهو الفيصل في تقدير المناقب والمثالب، وعن قلم الأديب يأخذ القضاة دقائق المحاسن والعيوب، وفي صدر كل قاض حاسة أدبية تهديه حين يوفق إلى الأحكام الصحاح"، والمقالة ضمن (المقالات القضائية) التي جمعتُها من مجلة الرسالة.
والقاضي إذا كان أديبا وشاعرا فإن ذلك يُرى في حسن عمله، قال الزبير بن بكار: سمعت العمري يقول: "رووا أولادكم الشعر فإنه يحل عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل"، وقد بوب النسائي -وهو القاضي الوحيد بين أصحاب الكتب التسعة- في سننه في كتاب آداب القضاة بابا في (استعمال الشعراء) ولم أر ذلك لغيره، وإنما يذكرون شهادة الشعراء في كتاب الشهادات، قال ابن المنذر: "ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الشعر حكمة، فدل قوله هذا على أن من تكلم بالحكمة وقالها مقبول الشهادة"، وإذا ضمَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر حكمة" لقوله: "لا حسد إلا في اثنتين .. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها" دلَّ على أن من علم الحكمة وتكلم بها أهل أن يولى القضاء، قال ابن أبي الدم الشافعي (642هـ) -القاضي الأديب، وله نظم جيد كما يقول الذهبي- في صفات من يولى القضاء: "وذكر بعض الأئمة استحباب صفات أخرى ظاهر استحبابها .. -وذكر منها-: واستمداده من علم الأدب المانع له من اللحن والسقط".
وفي مقالات بديعة للمحامي زكي عريبي عن لغة الأحكام والمرافعات يقول عن لغة القاضي في أحكامه: "لكل قلم قوته، ولكل كاتب طريقته، فمن العبث أن نضع قواعد مطلقة لصياغة الأحكام، الأمر قبل كل شيء حسن ذوق وحسن تصرف، ولكن للغة الأحكام مع ذلك مميزات يجب التنويه بها. والمفهوم في الأحكام أنها نتيجة إعمال فكرة وتمعن، يصيغها القاضي وهو جالس إلى مكتبه لا تواجهه أنظار شاخصة، ولا تتعجله وجوه مستحثة، فليس يغتفر له ما قد يغتفر للمترافع المندفع من تساهل في اختيار اللفظ ودقة الأداء .. على أن الإحسان في التحرير لا يستلزم التعَمُّل ولا التزَيُّد، وليس أبعد عن كرامة القاضي من سعيه وراء الإعلان بأحكام تتبين فيها صنعة الإعداد للنشر والرغبة في استجلاب الثناء .. كذلك يكره في لغة الأحكام: العنف والشدة وجموح العاطفة، فالقضاء وقور بطبعه وبالمهمة السامية التي يؤديها وبالاسم العالي الذي يتوج به أحكامه، فليس يليق به إذا ما تبين الحق في جانب خصم من الخصمين أن يحمل على الخصم الآخر فيصفه بما لا يجب".
ثم ذكر أمثلة على أحكام بلغت الغاية في لغة الأدب فقال: "اقرأ هذا الحكم لقاض فاضل يقرر فيه القواعد التي يجب على سائقي السيارات مراعاتها إذا ما اقتربوا من تقاطع شارعين، ويتحدث عن ماهية هذه القواعد قانونا: (وحيث إن المدعي المدني يقول إنه كان سائرا في شارع رئيسي ومن حقه أن يأمن السير فيه ولا يعكر عليه أمنه السياراتُ الخارجة من الشوارع المتقاطعة، فواجبها أن لا تخرج إلى الشارع الرئيسي إلا بعد الاستيثاق من خلوه، وحيث إنه ليس في اللوائح أو الأوامر الإدارية تقسيم الشوارع بين رئيسية وفرعية وما هي إلا قواعد أوحى بها العقل، فتواضع الناس على العمل بها اتباعاً لما تقضي به مصالحهم وما يستوجبه ضمان أرواحهم أثناء سيرهم في الطرق العمومية وتنظيمها لمرورهم ... والواجب يقضي على من يقود سيارة في شارع متقاطع مع شارع رئيسي أن يتحقق قبل محاولة اجتيازه من خلوه، أو من إمكانه المرور فيه قبل أن تدركه السيارات السائرة فيه، ولكن ليس معنى ذلك أن السائق الذي يسير في شارع رئيسي يتهاون في قيادته إلى حد الخطأ أو الإهمال، فإنه يتعين عليه أن يكون شديد الحذر كلما اقترب من نقطة التقاطع وأن يخفف من سرعة سيارته اجتنابا للمفاجآت التي قد تحصل على غرة)، بيان كامل لما احتواه عقل القاضي من فهم صحيح لقواعد السير، خطته يراعة مالكة لناصية الألفاظ، تضعها حيث يجب أن توضع، في أسلوب سهل وشيق" (بتصرف يسير).
والحديث ذو شجون، فلنقصد إلى ما أردناه في هذه المقالة، من ذكر جملة من تراجم أدباء القضاة في القديم مع إشارة إلى شيء من أدبهم، وفي الجزء الثاني من المقالة نعرض إلى القضاء في لبوس الأدب.
أولا: من تراجم القضاة الأدباء
لو كتبتُ على شرط الإحاطة لطال الحديث واتسعت التراجم، وقد أحصيت القضاة في (معجم الأدباء) لياقوت فزادوا على مئة قاضٍ -ومن ألطف ما رأيته في تراجم القضاة قول السبكي في الطبقات في ترجمة بعض القضاة: "قاض مكمَّل الفضل، فلو عرفه النحاة لما قالت في (قاضٍ) إنه منقوص"-، وقد صنف القاضي أحمد بن كامل بن خلف الشجري (350هـ) كتابا في (أخبار القضاة الشعراء)، وعاش الناس بعده أكثر من ألف عام فكم من قاض أديب وشاعر، وكتاب الشجري هذا مفقود، وإن كان مذكورا في بعض فهارس مكتبات تركيا إلا أنني بحثت عنه قبل سنوات فلم أقف له على خبر، وبعثت من أعرف إلى المكتبة التي ذكر فيها، فصارت النسخة المحفوظة بالرقم المشار إليه إنما هي لكتاب (أخبار القضاة) لوكيع.
• وأما القضاة فأولهم ومقدمهم: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه (40هـ)، قال وكيع في أخبار القضاة: "وهو أجلُّ القضاة إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على القضاء في حياته"، وله شعر مشهور جمع في ديوان أكثره لا يصح نسبته إليه كما حقق ذلك جواد علي في المفصل في تاريخ العرب، كما ينسب إلى الشافعي وأبي العتاهية وأمثالهما شعر كثير ليس من شعرهم، وله من النثر البديع ما هو معروف، ونسب إليه ما في نهج البلاغة وإنما هو للشريف المرتضى أو الرضي، ولا تصح نسبته إلى علي، كما حقق ذلك ابن تيمية والذهبي وغيرهم، ومن كلمات علي الجوامع التي لا يستطاع في معانيها مثلها كما يقول الجرجاني في دلائل الإعجاز: قوله: "قيمة كل امرئ ما يحسنه".
• ومنهم أبو الأسود الدؤلي (69هـ)، واضع علم العربية وقد تواترت بذلك الروايات كما يقول ابن فارس في الصاحبي، وكان شاعرا متقنا للمعاني، وله ديوان مطبوع، ومن شعره:
لا يكن برقك برقا خلَّباإن خير البرق ما الغيث معهْ
لا تشوبنَّ بحق باطلاإن في الحق لذي الحق سعة
أطلِ الصمت إذا ما لم تُسلإن في الصمت لأقوام دعة
رب ماشٍ بحديث قالهلا يضر المرء أن لا يسمعه
وقال:
وإني ليثنيني عن الجهل والخناوعن شتم ذي القربى خلائقُ أربعُ
حياء وإسلام وبُقيا وأننيكريم ومثلي قد يضر وينفعُ
وشتان ما بيني وبينك إننيعلى كل حال أستقيم وتظلعُ
وقال:
وما طلب المعيشة بالتمنيولكن ألق دلوك في الدلاءِ
تجيء بملئها طورا، وطوراتجيء بحمأة وقليل ماءِ
وقال:
تعودت مسَّ الضر حتى ألفتهوأسلمني طول البلاء إلى الصبرِ
ووسع صدري للأذى كثرة الأذىوكان قديما قد يضيق به صدري
ومن شعره وينسب إلى غيره:
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيمُ
ابدأ بنفسك وانهها عن غيهافإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك يقبل ما وعظتَ ويُقتدىبالعلم منك وينفع التعليمُ
• ومن القضاة الأدباء: شريح قاضي الكوفة (78هـ)، وكان شاعرا فائقا، ذكر وكيع شيئا كثيرا من أخباره، ومن شعره الذائع في قصة مشهورة:
رأيت رجالا يضربون نساءهمفشلّت يميني يوم أضرب زينبا
وكتب يوما إلى مؤدب ولده يقول:
فإذا هممتَ بضربه فبِدِرَّةفإذا ضربت بها ثلاثا فاحبسِ
واعلم بأنك ما فعلتَ فنفسهمهما يجرعنا أعزُّ الأنفسِ
ولأحمد الزيات صاحب الرسالة في هذا المعنى قصة لطيفة وقعت له أيام كونه معلما، حيث ضرب ابن الأديب جرجي زيدان، فبعث إليه من الغد رسالة مع ابنه كان فيها:
"ولدك وولدي شكري زيدان يشكو من أن معلمه لا يعامله بالعطف الذي يعامل به الآخرين، وأنه قسا عليه بالأمس قسوة لم يتعودها منه، والأطفال بطبيعتهم يبالغون، ولكن الأستاذ الفاضل يتفق معي على أي حال في أن أنجع الوسائل في التربية الحديثة هي تحبيب الأطفال بالنظام والعمل من طريق الملاينة والحيلة، وأرجو مستقبلا أن يجد الأستاذ من تلميذه ما يحب من الطاعة، وأن يجد التلميذ من أستاذه ما يرغب من العطف، وأنتهز الفرصة لأقدم إلى الأستاذ تحيتي".
قال رجل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: صباح رجل نصف الناس عليه غاضب.
ورفع إلى شريح قوم اتهموا فجعل يتهددهم، فقالوا: أتأخذ بالتهمة؟ فقال: إذا ذهب كبد الجزور فمن يُسأل عنه إلا الجازر؟!
• ومنهم الشعبي عامر بن شراحيل (104هـ)، وهو القائل: ما أنا بشيء من العلم أقل رواية مني للشعر، ولو شئت أن أنشد شهرا كل يوم لا أعيد قصيدة لفعلت، وانتهى يوما إلى مفرق طريقين عليهما رجلان يغتابانه ويقعان فيه فتمثل بهذا البيت:
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزة من أعراضنا ما استحلَّتِ
وسئل عن عين لُطمت فشرقت بالدم ولما يذهب ضوؤها فقال:
لها أمرُها حتى إذا ما تبوأتْبأخفافها مأوى تَبوأ مضجعا
قال أبو عبيد في غريب الحديث: "لم يزد الشعبي على هذا البيت، وهذا شعر للراعي (النميري) يصف فيه الإبل وراعيها، فقال: "لها أمرها" يقول: للإبل أمرها في المرعى، يعني أن الراعي يهملها فيه ولا يحبسها عن شيء تريده فهي تتبع ما تشتهي، حتى إذا صارت إلى الموضع الذي يعجبها أقامت فيه، فإذا فعلت ذلك ألقى حينئذ عصاه واضطجع، وهذا مثل ضربه الشعبي للعين المضروبة، يقول: إنها تهمل كما أهملت هذه الإبل ولا يحكم فيها بشيء حتى تأتي على آخر أمرها إما برء وإما ذهاب، فإذا فعلت ذلك حكم حينئذ فيها بقدر ما حدث، كما فعل هذا الراعي حتى أقامت الإبل قضى أمره وأقام معها واضطجع".
ومن أشهر ما يروى: الأبيات التي قيلت في الشعبي لما فسخ نكاح امرأة من زوجها:
فتن الشعبي لمارفع الطرف إليها
كيف لو أبصر منهانحرها أو ساعديها
وبعضهم يزيد فيها وينقص، ولما بلغت الأبيات الشعبي قال: أبعده الله ما قضينا إلا بحق. قال ابن أبي ليلى: انصرفت مرة مع الشعبي من مجلس القضاء، فمررنا بخادمة سوداء تغسل ثوبا في إجانة على باب دار وتنشد: فتن الشعبي لما .. فتن الشعبي لما .. وتكرره، فقال الشعبي: (رفع الطرف إليها)، وقال: أردت أن يخرج اسمي من فمها.
ومن عادة الناس هجاء القضاة والحطُّ عليهم، وبخاصة في قضايا النكاح التي يفرق فيها بين الأزواج.
• ومن القضاة الأدباء: محارب بن دثار (116هـ) قاضي الكوفة، أخبر عن نفسه أنه شاعر في قصة رواها وكيع في أخبار القضاة، لما هجاه أبو الكميت فجاء إلى قومه وقال: اكفوني سفيهكم هذا فوالله إني لشاعر! وهو القائل: وليت القضاء فبكيت وبكى أهلي، وعزلت عن القضاء فبكيت وبكى أهلي، وقال في قصيدة طويلة:
أحمد خالقي حمدا كثيرابدا خلقي فأنشأه سويا
ومنَّ علي بالإسلام حتىعرفت الدين مقتبلا صبيا
وضمَّن محكم القرآن قلبيفكنت لمن يدين له وليا
وقال في رثاء عمر بن عبدالعزيز:
لو أعظم الموتُ خلقا أن يواقعهلعدله لم يزرك الموت يا عمرُ
إلى أن قال:
لو كنت أملك والأقدار غالبةتأتي رواحا وتبياتا وتبتكرُ
دفعت عن عمر الخيرات مصرعهبدير سمعان لكن يغلب القدرُ
وقيل له: إلى كم تردد الخصوم؟ فقال: إني والخصوم كما قال الأعشى:
أرقت وما هذا السهاد المؤرقوما بي من سقم وما بي معشقُ
ولكن أراني لا أزال بحادثأغادى بما لم يمس عندي وأطرقُ
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده إلى عنبسة بن الأزهر قال: كان محاربُ بنُ دِثار قاضي أهلِ الكوفة قريبَ الجوار من بيتي، فكنتُ أسمعه في بعض الليل يقول: يا رب أنا الضعيف الذي قوَّيتَ فلك الحمد، وأنا الساغب الذي أشبعتَ فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوتَ فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيتَ فلك الحمد، وأنا الصغير الذي ربيتَ فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيتَ فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبتَ فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبتَ فلك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا لك يا رب على كل حمد.
• ومنهم أبو يحيى الزهري هارون بن عبدالله (132هـ) تفقه على أصحاب مالك، قال وكيع: "وهو من أهل الأدب الكبير الواسع"، وأورد له ثلاث قصائد من رفيع الشعر وحسنه، ومن شعره الرائق:
هل الشوق إلا أن يحن غريبوأن يستطيل العهد وهو قريبُ
أرى الشوق يدعوني إلى من أودهوللشوق داع مسمع ومجيبُ
سقى الله أكناف المدينة إنهيحل بها شخص إلي حبيبُ
وإني وإن شطت بي الدار عنهمإليهم لمشتاق الفؤاد طروبُ
وقائلة ما بال جسمك شاحباوأهون ما بي أن يكون شحوبُ
فقلت لها في الصدر مني حرارةتَقطَّع أنفاسي لها وتذوبُ
إذا ما تذكرت الحجاز وأهلهفللعين من فيض الدموع غروبُ
• ومن القضاة الأدباء: عبدالله ابن شبرمة (144هـ)، قال العجلي: "وكان شاعرا كريما جوادا"، ومن شعره:
أقضي بما في كتاب الله مفترضاوبالنظائر أقضي والمقاييسِ
وقوله:
وأرسلتُ دَلْوي في دلاء كثيرةفَأُبْنَ مِلاءً غيرَ دَلْوي كما هيا
وقوله:
رأيت فقه رجال في قلانسهموفي ثيابهم الفحشاء والريبُ
وقيل له: حدثنا تؤجر، فقال:
يمنوني الأجر العظيم وليتنينجوت كفافا لا عليَّ ولا ليا
ومن كلامه: من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصَّر فيها خُصم.
وقال رؤبة بن العجاج يمدحه:
لما سألت الناسَ أين المكرمة؟والعزُّ والجرثومة المقدَّمة
وأين فاروق الأمور المبهَمةتتابع الناس على ابن شبرمة
فأعطاه مئة درهم.
قال الهيثم: ولما ولي عبدالله بن شبرمة القضاء ركب لحاجة له فلما أراد النزول عن البغل وُثِئَت قدمُه -وهو في اللحم كالكسر في العظم- فحمل إلى منزله في محفة، فدخل الناس يعودونه، ودخلت فيمن دخل عليه، فدخل عليه رجل من بني سليط يكنى أبا المثنى، فلما رآه ابن شبرمة قال: مرحبا، ههنا، ارتفع، فرفعه معه على السرير، فأنشأ ابن المثنى يقول:
أقول غداة أتانا الخبيريدسُّ أحاديثه هينمة
لك الويل من مخبر ما تقولأبن لي وعدَّ عن الجَمجمة
فقال: خرجتُ وقاضي العراقمنفكَّة رجله مؤلَمة
فقلت وضاقت عليَّ البلادوخفتُ المجلَّلة المعظَمة
فـ(غزوان) حر و(أم الوليد)إنِ الله عافى أبا شبرمة
جزاء لمعروفه عندناوما عتق عبد له أو أمة؟!
قال الهيثم: فلم أزل من غزوان وأم الوليد في عجب، وهو جاري ما أعرف له عبدا ولا أمة، فلما خرج قلت لأبي المثنى: ما غزوان وأم الوليد؟ فقال: استر عليَّ، سنوران في البيت!
وقال ابن شبرمة: ما أعرفني لجيد الشعر حيث يقول:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البناءوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شَدُّوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا
وإن قال مولاهم على كل حادثمن الأمر ردوا فضل أحلامكم رَدُّوا
والأبيات للحطيئة، وفي (أحسنوا البِناء) أو (البُنى) خبر للأصمعي مع حماد بن سلمة، ومن القصيدة البيت المشهور:
أقلوا عليهم -لا أبا لأبيكم-من اللوم، أو سدوا المكان الذي سَدُّوا
• ومنهم القاضي يحيى بن أكثم (242هـ)، وما سمعت اسمه إلا تذكرت قول عبد الصمد بن المعذَّل لما قدم يحيى بن أكثم البصرة فقالت له امرأته لو أتيته فسألته، فقال:
تكلِّفني إذلالَ نفسي لعزِّهاوهان عليها أن أهان لتكرما
تقول: سل المعروف يحيى بن أكثمفقلت: سليه ربَّ يحيى بن أكثما
وكان يحيى بن أكثم واسع العلم كثير الأدب، قال ابن عثيمين محقق الطبقات: "قلَّ أن يجود الزمان بمثله، ولو سجلت أخباره ومناقبه لجاءت في مجلد ضخم"، وكتب إلى بعض أصحابه:
جفوتَ وما فيما مضى كنت تفعلُوأغفلتَ من لم تلفه عنك يغفلُ
وعجَّلت قطع الوصل في ذات بيننابلا حدث، أو كدت في ذاك تعجلُ
وأصبحتُ لولا أنني ذو تعطفعليك بودي صابرا أتجملُ
أرى جفوة أو قسوة من أخي ندىإلى الله فيها المشتكى والمعوَّلُ
• ومنهم الإمام ابن قتيبة (276هـ) عبدالله بن مسلم، صاحب عيون الأخبار وأدب الكاتب والشعر والشعراء، ولي قضاء الدينور، وهو خطيب أهل السنة كما يقول ابن تيمية كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة، قال النديم: "كان عالما باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف"، وكتبه دالة على أدبه وفضله، قال ابن قتيبة في مقدمة عيون الأخبار: "وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روي عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مرَّ بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به، واعلم أنك إن كنت مستغنيا عنه بتنسكك فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه محتاج إليه، وإن الكتاب لم يُعمل لك دون غيرك فيهيأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه، ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك. وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مرَّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعِّر خدَّك وتعرض بوجهك، فإنَّ أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب ... ولم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجّيراك على كل حال، وديدنك في كل مقال، بل الترخص مني فيه عند حكاية تحكيها أو رواية ترويها تنقصها الكناية ويذهب بحلاوتها التعريض، وأحببتُ أن تجري في القليل من هذا على عادة السلف الصالح في إرسال النفس على السجية، والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع، ولا تستشعر أن القوم قارفوا وتنزهت، وثلموا أديانهم وتورعت"، وهي مقدمة بديعة أحسن فيها ما شاء.
• ومنهم القاضي ابن البهلول (318هـ)، أبو جعفر أحمد بن إسحاق التنوخي، ولي القضاء عشرين سنة، وحدث عن نفسه فقال: "أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشر ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك"، قال الذهبي: "وكان من رجال الكمال، وكان أديبا بليغا مفوها شاعرا"، ولما أعفي من القضاء طُلب له ثانية فامتنع، وقال: أحب أن يكون بين الصرف والقبر فرجة، ولا أنزل من القلنسوة إلى الحفرة، وقال في ذلك:
تركت القضاء لأهل القضاءِوأقبلت أسمو إلى الآخرةْ
فإن يك فخراً جليل الثناءِفقد نلت منه يداً فاخرةْ
وإن كان وزراً فأبعدْ بهفلا خير في إمرة وازرةْ
• ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي (355هـ)، قاضي قرطبة، كان شاعرا لبيبا أديبا، وخطيبا بليغا مفوها، له اليوم المشهور الذي ملأ فيه الآذان وبهر العقول، وذلك أن المستنصر بالله كان مشغوفا بأبي علي القالي يؤهله لكل مهم، فلما ورد رسول الروم أمره أن يقوم خطيبا على العادة الجارية، فلما شاهد أبو علي الجمع العظيم جبن فلم تحمله رجلاه ولا ساعده لسانه، وفطن له منذر بن سعيد فوثب في الحال، وقام مقامه وارتجل خطبة بديعة، فأبهت الخلق، وأنشد في آخرها لنفسه:
هذا المقال الذي ما عابه فندلكنَّ صاحبه أزرى به البلدُ
لو كنت فيهم غريبا كنت مطَّرفالكنني منهم فاغتالني النكدُ
ومرَّ في رحلته بمصر فحضر يوما مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء، فأملى شعرا لقيس مجنون بني عامر، وهو قوله:
خليلي هل بالشام عين حزينةتبكّي على نجد لعلي أعينها
قد اسلمها الباكون إلا حمامةمطوقة باتت وبات قرينها
تجاوبها أخرى على خيزرانةيكاد يدنّيها من الأرض لينها
فقال له منذر: يا أبا جعفر ماذا باتا يصنعان؟ فقال له: وكيف تقول أنت يا أندلسي؟ فقلت له: (بانت وبان قرينها)، فسكت، قال منذر: وما زال يستثقلني بعد ذلك حتى منعني (كتاب العين) وكنت ذهبت للاستنساخ من نسخته.
• ومنهم القاضي الرامهرمزي (361هـ)، الحسن بن عبدالرحمن ابن خلاد، صاحب كتاب المحدث الفاصل، قال الذهبي: " كان أحد الأثبات، أخباريا شاعرا"، قال النديم: "هو حسن التصنيف مليح التأليف، يسلك طريقة الجاحظ، وكان شاعرا"، ومن شعره في الوزير المهلبي:
الآن حين تعاطى القوس باريهاوأبصر السمتَ في الظلماء ساريها
الآن عاد إلى الدنيا مهلبُهاسيف الخلافة بل مصباح داجيها
تضحي الوزارة تزهى في مواكبهازهو الرياض إذا جادت غواديها
قال الثعالبي: ومن ملح ابن خلاد قوله في نفسه:
قل لابن خلاد إذا جئتهمستندا في المسجد الجامعِ
هذا زمان ليس يحظى به(حدثنا الأعمش عن نافعِ)
• ومنهم القاضي أبو بكر الزُّبيدي (379هـ)، محمد بن الحسن، قاضي أشبيلية، النحوي اللغوي، اختصر كتاب العين، وكان شاعرا كثير الشعر، ومن شعره ما كتب إلى أبي مسلم بن فهر:
أبا مسلم إن الفتى بجنانهومِقْوَلِه لا بالمراكب واللبسِ
وليس ثياب المرء تغني قلامةإذا كان مقصورا على قصر النفسِ
وليس يفيد العلمَ والحلمَ والحجىأبا مسلم طولُ القعود على الكرسي
واستأذن الحكم المستنصر في الرجوع إلى إشبيلية فلم يأذن له، فكتب إلى جارية له هناك تدعى سلمى:
ويحك يا سَلْمُ لا تراعيلا بد للبين من زماعِ
لا تحسبيني صبرت إلاكصبر ميْت على النزاعِ
ما خلق الله من عذابأشد من وقفة الوداعِ
ما بينها والحِمَام فرقلولا المناحاتُ والنواعي
إن يفترق شملنا وشيكامن بعد ما كان ذا اجتماعِ
فكل شمل إلى افتراقوكل شعب إلى انصداعِ
وكل قرب إلى بعادوكل وصل الى انقطاعِ
وكان كثيرا ما ينشد
الفقر في أوطاننا غربةوالمال في الغربة أوطانُ
والأرض شيء واحد كلُّهاوالناس إخوان وجيرانُ
• ومنهم القاضي التنوخي المحسن بن علي (384هـ) صاحب نشوار المحاضرة والفرج بعد الشدة، وفيه يقول أبو عبدالله الحسين بن الحجاج:
إذا ذكر القضاة وهم شهودتخيرت الشباب على الشيوخِ
ومن لم يرض لم أصفعه إلابحضرة سيدي القاضي التنوخي
وللتنوخي ديوان شعر، ومن شعره قوله في معنى طريف:
خرجنا لنستسقي بيمن دعائناوقد كاد هدب الغيم أن يبلغ الأرضا
فلما ابتدا يدعو تقشَّعت السمافما تم إلا والغمام قد انفضا
قال التنوخي: كنت يوما بحضرة عضد الدولة في عشية من العشايا في مجلس الأنس، فغني له من وراء ستارته صوت، وهو:
نحن قوم من قريشما هممنا بالفرارْ
وبعده أبيات بعضها ملحون وبعضها جيد، فاستملح اللحن، وقال: اعمل لي أبياتا تنقل هذا اللحن إليها في وزنها وقافيتها، فجلست ناحية وعملت:
أيهذا القمرُ الطالع من دار القمارْ
رائحا من خيلاء الحسن في أبهى إزارْ
والذي يجني ولا يتبع ذنبا باعتذارْ
أنا من هجرك في بعد على قرب المزارْ
وقال التنوخي في نشوار المحاضرة: حضر بين يدي رجلان بالأهواز فادعى أحدهما على الآخر حقا فأنكره، فسأل غريمه إحلافه، فقال له: أتحلف؟ فقال: ليس له علي شيء فكيف أحلف؟ لو كان له علي شيء حلفت له وأكرمته!
والقاضي التنوخي المحسن: كان والده علي بن محمد قاضيا وأديبا أيضا (342هـ)، وكان يحفظ للطائيين سبعمئة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظ لغيرهم من المحدثين والمخضرمين والجاهليين، وكان ولده أبو القاسم علي بن المحسن قاضيا وأديبا (447هـ)، ترجمهما ياقوت في معجمه.
• ومن القضاة الأدباء: محمد بن النعمان بن محمد (389هـ)، قاضي مصر، قال الذهبي: "وكان على دين بني عبيد، مظهرا للرفض مبطنا لأمور، نسأل الله العفو"، قال ابن خلكان: "وكان جيد المعرفة بالأحكام مُفَنَّنا في علوم كثيرة، حسن الأدب والدراية بالأخبار والشعر وأيام الناس"، وله شعر عذب، فمن ذلك:
أيا مشبه البدر بدر السماءلسبع وخمس خلت واثنتينِ
ويا كامل الحسن في نعتهشغلتَ فؤادي وأسهرت عيني
فهل لي من مطمع أرتجيهوإلا انصرفتُ بخفي حنينِ
ويشمت بي شامت في هواكويفصح لي: ظلت صفر اليدينِ
فإما مننتَ وإما قتلتَفأنت القدير على الحالتينِ
وكتب إليه عبدالله بن الحسن الجعفري السمرقندي:
تعادلت القضاة عُلا فأماأبو عبدالإله فلا عديلُ
وحيد في فضائله غريبخطير في مفاخره جليلُ
تألق بهجة ومضى اعتزاماكما يتألق السيف الصقيلُ
فيقضي والسداد له حليفويعطي والغمام له رسيلُ
لو اختبرت قضاياه لقالوايؤيده عليها جَبرئيلُ
إذا رقي المنابر فهو قسوإن حضر المشاهد فالخليلُ
فكتب إليه القاضي المذكور
قرأنا من قريضك ما يروقبدائع حاكها طبع رقيقُ
كأن سطورها روض أنيقتضوَّع بينها مسك فتيقُ
إذا ما أُنشدتْ أَرَجَت وطابتمنازلها بها حتى الطريقُ
وإنا تائقون إليك فاعلموأنت إلى زيارتنا تتوقُ
فواصلنا بها في كل يومفأنت بكل مكرمة حقيقُ
• ومنهم المعافى بن زكريا (390هـ) القاضي المتفنن، كان من أعلم الناس بفنون اللغة والأخبار والأشعار، وله كتاب الجليس والأنيس مطبوع معروف، واسمه الكامل: (الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي)، ومن شعره المشهور:
ألا قل لمن كان لي حاسداأتدري على من أسأت الأدبْ
أسأت على الله في حكمهلأنك لم ترض لي ما وهبْ
قال أبو حيان: رأيته في جامع الرصافة وقد نام مستدبر الشمس في يوم شات، وبه من أثر الفقر والبؤس والضر أمر عظيم، مع غزارة علمه واتساع أدبه وفضله المشهور ومعرفته بصنوف العلم، سيما علم الأثر والأخبار وسير العرب وأيامها، فقلت له: مهلا أيها الشيخ وصبرا، فإنك بعين الله ومرأى منه ومسمع، وما جمع الله لأحد شرف العلم وعز المال، فقال: ما لا بد منه من الدنيا فليس منه بد، ثم قال:
يا محنة الدهر كفيإن لم تكفي فخفي
قد آن أن ترحمينامن طول هذا التشفي
طلبت جَدا لنفسيفقيل لي قد توفي
فلا علومي تجديولا صناعة كفي
ثورٌ ينال الثرياوعالمٌ متخفي
• ومنهم القاضي الجرجاني (392هـ) علي بن عبدالعزيز أبو الحسن، الفقيه الشافعي الشاعر صاحب الديوان المشهور كما يقول الذهبي، وله الأبيات الذائعة التي ينبغي حفظها وتمثلها:
يقولون لي فيك انقباض وإنمارأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
أوردها السبكي بإسناده وأثنى عليها ثناء بالغا، وأوردها عبدالفتاح أبو غدة في صفحات من صبر العلماء، وقال بكر أبو زيد في حلية طالب العلم: "وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني"، وله أيضا:
ما لي ومالك يا فراقْأبدا رحيل وانطلاقْ
يا نفسي موتي بعدهمفكذا يكون الاشتياقْ
وله في الأدب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ولا يخفى تأثير القضاء في مضمون الكتاب وعنوانه.
• ومنهم القاضي عبدالوهاب بن نصر المالكي (422هـ)، صاحب التلقين في الفقه، وهو الذي يقول فيه المعري -وكفى بها شهادة لشاعرية هذا الفقيه كما يقول عبدالله كنون-:
والمالكي ابن نصر زار في سفربلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلاوينشر الملك الضّليل إن شعرا
والملك الضليل هو امرؤ القيس، وقد عقد في دبي عام 1424هـ ملتقى عن القاضي عبدالوهاب طبعت بحوثه في سبع مجلدات، تناولت بعض أبحاثه القاضي عبدالوهاب أديبا وشاعرا، ومن شعره:
سلام على بغداد في كل موطنوحق لها مني السلام المضاعفُ
لعمرك ما فارقتها قاليا لهاوإني بشطي جانبيها لعارفُ
ولكنها ضاقت عليَّ برحبهاولم تكن الأرزاق فيها تساعفُ
فكانت كخل كنت أهوى وصالهوتنأى به أخلاقه وتخالفُ
وله
متى تصل العطاش إلى ارتواءإذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مرادوقد جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترفع الوضعاء يوماعلى الرفعاء من إحدى البلايا
إذا استوت الأسافل والأعاليفقد طابت منادمة المنايا
وله
يا لهف نفسي على شيئين لو جمعاعندي لكنت إذن من أسعد البشرِ
كفاف عيش يقيني كلَّ مسألةوخدمة العلم حتى ينقضي عمري
وله الأبيات المشهورة
ونائمة قبلتها فتنبهتفقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحدّ
• ومنهم الماوردي أبو الحسن الشافعي (450هـ) صاحب كتاب أدب الدنيا والدين، كان عالما بارعا متفننا، وله الكتاب المطبوع باسم (أدب القاضي) وهو جزء من الحاوي الكبير وليس كتابا مستقلا، قال تاج الدين السبكي في ترجمته من الطبقات: "قال الماوردي في الحاوي فيما إذا قال قارضتك على أن لك سدس عشر تسع الربح، والأصح فيه الصحة، لأنه معلوم من الصيغة يمكن الاطلاع عليه، غير أنا نستحب لهما أن يعدلا عن هذه العبارة الغامضة إلى ما يعرف على البديهة من أول وهلة؛ لأن هذه عبارة قد توضع للإخفاء والإغماض، قال الشاعر:
لك الثلثان من قلبيوثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقىوثلث الثلث للساقي
وتبقى أسهم ستتقسم بين عشاقي
فانظر إلى هذا الشاعر وبلاغته وتحسين عبارته، كيف أغمض كلامه وقسم قلبه وجعله مجزأ على أحد وثمانين جزءا ... انتهى كلام الماوردي"، ثم قال السبكي: "وقد أورثه حبُّ الأدب إدخالَ هذه الأبيات الغزلية في الفقه".
• ومنهم القاضي أبو الوليد الباجي الأصولي المالكي (474هـ)، قال ابن بسام في الذخيرة: "بدأ في الأدب فبرز في ميادينه، واستظهر أكثر دواوينه، وحمل لواء منثوره وموزونه"، وله:
إذا كنت أعلم علما يقينابأن جميع حياتي كساعةْ
فلمْ لا أكون ضنينا بهاوأجعلها في صلاح وطاعةْ
وله في رثاء ولده محمد
فإذا نظرتُ فشخصه متخيَّلٌوإذا أصختُ فصوته متوهمُ
وبكل أرض لي من اجلك روعةوبكل قبر عبرة وترنمُ
فلئن جزعتُ فإن ربي عاذرٌولئن صبرتُ فإن صبري أكرمُ
وله رسالة صغيرة في شرح حديث "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" حققها أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري ونشرتها مجلة عالم الكتب عام 1401هـ.
• ومنهم القاضي الأبيوردي (507هـ)، قال الذهبي: "اللغوي شاعر وقته وصاحب التصانيف"، كان يسمع القصيدة الطويلة في نوبة فيرويها، ويتصفح الكتاب مرة فيذكر فوائده ويحكيها، وله في اللغة مصنفات كثيرة لم يسبق إلى مثلها كما يقول ابن خلكان، وديوانه مطبوع في مجلدين، ومن شعره:
تنكَّر لي دهري ولم يدر أننيأعزُّ وأحداث الزمان تهونُ
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤهوبت أريه الصبر كيف يكونُ
وله القصيدة المشهورة لما استولى الفرنج على بيت المقدس سنة (492هـ):
مزجنا دماء بالدموع السواجمِفلم يبق منا عَرصةٌ للمَراحمِ
وشرُّ سلاح المرء دمع يفيضهإذا الحرب شبت نارها بالصوارمِ
وكيف تنام العين ملء جفونهاعلى هفوات أيقظت كل نائمِ
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهمظهور المذاكي أو بطون القشاعمِ
وهي قصيدة طويلة مشجية، والله المستعان.
والأبيوردي نسبة إلى (أبي ورد) بلدة بخراسان، وهي اليوم في تركمانستان.
• ومنهم القاضي عياض (544هـ) أبو الفضل اليحصبي المالكي، قاضي سبتة ثم غرناطة، وصاحب الشفا ومشارق الأنوار، قال ابنه محمد في ترجمته المفردة: "وكان ريانا من الأدب، شاعرا مُجيدا، يتصرف في نظمه أحسن تصرف"، ومن شعره:
انظر إلى الزرع وخاماتهتحكي وقد ماست أمام الرياحْ
كتيبةً خضراءَ مهزومةشقائقُ النعمان فيها جراحْ
ومن شعره:
قل للأماجد والحديثُ شجونما ضرَّ إن شاب الوقار مجونُ
ولئن غدوت من العلوم بموضعتومي إليه أصابع وعيونُ
فلدي للآداب نفسٌ صبَّةفيها إلى مُلح الظروف ركونُ
وفي الجزء الرابع من أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض للسان الدين ابن الخطيب صاحب نفح الطيب (1041هـ) مقطوعات من نثر القاضي عياض ونظمه.
• ومنهم القاضي أبو بكر الأَرَّجَاني الشافعي (544هـ) –والأَرَّجَاني بتشديد الراء وحكي تخفيفها- أحمد بن محمد بن الحسين، قاضي تُستَر وشاعر زمانه كما يقول الذهبي، وديوانه مطبوع، وهو القائل:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعفي العصر، أو أنا أفقه الشعراءِ
ومن شعره:
شاور سواك إذا نابتك نائبةيوما وإن كنت من أهل المشوراتِ
فالعين تنظر منها ما دنا ونأىولا ترى نفسها إلا بمرآةِ
وله
أعيناي كفا عن فؤادي فإنهمن البغي سعي اثنين في قتل واحدِ
وهو القائل مما يقرأ معكوسا
مودته تدوم لكل هولوهل كل مودته تدومُ
• ومنهم المهذب ابن الزبير (561هـ)، أبو محمد الحسن بن علي، قال ابن خلكان: "وهو مجيد في نظمه ونثره، وله كل معنى حسن"، وقال العماد: "لم يكن في زمانه أشعر منه، وله شعر كثير"، وديوانه مطبوع، ومن شعره:
يا ربع أين ترى الأحبة يممواهل أنجدوا من بعدنا أو أتهموا
نزلوا من العين السواد وإن نأواومن الفؤاد مكان ما أنا أكتمُ
رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهموجد على مر الزمان مخيمُ
وسروا وقد كتموا المسير، وإنماتسري إذا جنَّ الظلام الأنجمُ
وتعوضت بالأنس روحي وحشةلا أوحش الله المنازل منهمُ
ومن شعره:
فدع التمدح بالقديم فكم عفافي هذه الآكام قصر داثرُ
إيوان كسرى اليوم بعد خرابهخير لعمرك منه خُصٌ عامرُ
وله من جملة قصيدة
وما لي إلى ماء سوى النيل غلةولو أنه -أستغفر الله- زمزمُ
• ومنهم ابن أبي عصرون الشافعي (585هـ)، عبدالله بن محمد، قاضي القضاة وفقيه الشام، كفَّ بصره في آخر عمره وألف جزءا في جواز قضاء الأعمى، قال الذهبي: "وله نظم جيد"، ومن شعره:
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعةتمر بي الموتى تُهز نعوشُها
وهل أنا إلا مثلهم غير أنَّ ليبقايا ليال في الزمان أعيشها
ومن شعره:
أمستخبري عن حنيني إليهوعن زفراتي وفرط اشتياقي
لك الخير، إن بقلبي إليكظما لا يروّيه إلا التلاقي
• ومنهم عبدالرحيم البيساني المشهور بالقاضي الفاضل (596هـ) وزير صلاح الدين، قال الذهبي: "البليغ سيد الفصحاء"، قال ابن خلكان: "يقال إن مسودات رسائله ما تقصر عن مئة مجلدة، وله النظم الكثير"، وهو صاحب العبارة المشهورة في الاعتذار التي تنسب خطأ إلى العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتابا في يومه إلا قال في غده لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر"، وله أخبار كثيرة مع صلاح الدين في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة، فمن كتبه إليه: "وهذا دِين ما غلب بكثرة، ولا نصر بثروة، وإنما اختار الله تعالى له أرباب نيات، وذوي قلوب وحالات، فليكن المولى نعم الخلف لذلك السلف، واشتدي أزمة تنفرجي، والغمرات تذهب ثم لا تجي، والله يسمعنا ما يسر القلب، ويصرف عن الإسلام غاشية هذا الكرب، ونستغفر الله فإنه ما ابتلى إلا بذنب"، وكتب إليه: "يا مولانا، هذه الليالي التي رابطت فيها والناس كارهون، وسهرت فيها والعيون هاجعة، وهذه الأيام التي ينادى فيها: يا خيل الله اركبي، وهذه الساعات التي تزرع الشيب في الرؤوس، وهذه الغمرات التي تفيض فيها الصدور بمائها بل بنارها = هي نعمة الله عليك، وغراسك في الجنة، ومجمّلات محضرك، (يوم تجدُ كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضرا)، وهي مُجوّزاتك الصراط، وهي مثقلات الميزان، وهي درجات الرضوان، فاشكر الله عليها كما تشكره على الفتوحات الجليلة، واعلم أن مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر"، وله كتب أخرى جليلة، فرحمه الله ورضي عنه.
• ومنهم القاضي ابن سناء الملك (608هـ) ولي قضاء مصر مدة طويلة، وله ديوان شعر، وكان يلقب بالقاضي السعيد، قال الذهبي: "القاضي الأثير البليغ المنشئ الشاعر المشهور"، ثم أورد له هذه الأبيات:
وملية بالحسن يسخر وجههابالبدر، يهزأ ريقها بالقرقفِ
لا شيء أحسن من تلهب خدهابالماء إلا حسنها وتعففي
والقلب يحلف أن سيسلو ثم لايسلو، ويحلف أنه لم يحلفِ
وله في المديح:
ملكُ الأنامِ ولا أحاشي والملوكِ ولا أحابي
إنْ أظلم الخطبُ الملمُّ فرأيه مثلُ الشهابِ
أو خاطبتك النائباتُ فعنده فصلُ الخطابِ
يشفي الصدور بفعلهيوم النوال أو الضرابِ
يا أيها الملك الذييعطي الكثير بلا حسابِ
أنهي إليك وأشتكيفقري وضري واكتئابي
• ومنهم القاضي ابن خَلِّكان (681هـ) ولي القضاء في مصر والشام، وهو صاحب وَفَيَات الأعيان، (ولا تقل وَفِيَّات فإنها جمع لامرأة وفيَّة من الوفاء)، قال الذهبي: "كان بصيرا بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس"، وله من مطلع قصيدة بديعة:
أي ليل على المحب أطالهسائقُ الظعن يوم زمَّ جمالَه؟!
يزجر العيس طاويا يقطع المهمه عسفا: سهوله ورمالَه
وله
يا من كلفتُ به فعذَّبَ مهجتيرفقا على كَلِفِ الفؤاد معذَّبِ
إِن فاتهُ منك اللقاء فإنهيرضى بلقيا طيفك المتأوبِ
لو قلت لي: جد لي بروحك لم أقففيما أمرت، وإن شككت فجرّبِ
قد كنت تلقاني بوجهٍ باسمواليوم تلقاني بوجهِ مقطّبِ
وله
وما سرَّ قلبي منذ شطت بك النوىنعيمٌ ولا لهو ولا متصرَّفُ
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدتهسوى ذلك الماء الذي كنت أعرفُ
• ومنهم القاضي ابن دقيق العيد (702هـ) تقي الدين، قاضي قضاة مصر، الفقيه المحدث المشهور، ومن شعره الرائيّة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
يا سائرا نحو الحجاز مشمرااجهد فديتك في المسير وفي السرى
إن كلَّت النجب الركائب تارةفأعد لها ذكر الحبيب مكررا
قف بالمنازل والمناهل من لدنوادي قباء إلى حمى أم القرى
ومن شعره:
عطيته إذا أعطى سرورفإن سلب الذي أعطى أثابا
فأي النعميين أعُدُّ فضلاوأحمد عند عقباها إيابا
أنعمته التي كانت سروراأم الأخرى التي جلبت ثوابا
وله
كم ليلة فيك وصلنا السرىلا نعرف الغمض ولا نستريحْ
واختلف الأصحاب ماذا الذييزيل من شكواهمُ أو يُريحْ
فقيل تعريسهم ساعةوقيل بل ذكراك، وهو الصحيحْ
وللصفدي تعليق طريف على هذه الأبيات في الغيث المسجم، ولعلي صافي حسين كتاب (ابن دقيق العيد حياته وديوانه)، أصله رسالة ماجستير.
• ومنهم ابن الوردي (749هـ) صاحب اللامية المشهورة: "اعتزل ذكر الأغاني والغزل"، وفيها البيت الذي يكثر الاستشهاد به:
إن نصف الناس أعداء لمنولي الأحكام هذا إن عدلْ
ولي القضاء بحلب، قال السبكي: "الفقيه الأديب النحوي، وشعره أحلى من السكر المكرر، وأغلى قيمة من الجوهر"، له البهجة الوردية في نظم الحاوي من متون الشافعية، في خمسة آلاف بيت، قال ابن حجر: "وأقسم بالله لم ينظم أحد بعده الفقه إلا قصر دونه"، ومن شعره اللطيف:
دهرنا أمسى ضنيناباللقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عوديواجمعينا أجمعينا
ومن شعره أيضا:
وأغيد يسألنيما المبتدا والخبرُ؟
مثلهما لي مسرعافقلت: (أنت القمرُ)
وله
مَن كان مرتحلا بقلب محبهيوما فإنك راحل بجميعي
وأنا الذي ترك الوداع تعمداًمَن ذا يطيق مرارة التوديعِ
وله
ووعدتَ أمسِ بأن تزور فلم تزرفقعدتُ مسلوبَ الفؤاد مشتتا
لي مهجة في (النازعات) وعبرةفي (المرسلات) وفكرة في (هل أتى)
وشعره كثير، وديوانه مطبوع حوى نثره ونظمه، واعتذر في أوله اعتذارا لطيفا.
• ومنهم القاضي الفيروزآبادي (817هـ)، مجد الدين محمد بن يعقوب، صاحب القاموس المحيط، وقد غلب هذا الاسم على معاجم اللغة حتى صار اسمَ علم عليها، واسم الكتاب كاملا: (القاموس المحيط، والقابوس الوسيط، الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط)، ولي قضاء اليمن، قال الفاسي: "وله شعر كثير، في بعضه قلق لجلبه فيه ألفاظا لغوية عويصة، ونثره أعلى، وكان كثير الاستحضار لمستحسنات من الشعر والحكايات"، ومن شعره:
أحبتنا الأماجد إن رحلتمولم ترعوا لنا عهدا وإلا
نُوَدّعكم ونُوْدِعكم قلوبالعل الله يجمعنا وإلا ..
قال ابن حجر: أنشدنيهما لنفسه لما لقيته بزبيد سنة ثمانمئة.
• ومنهم الحافظ ابن حجر (852هـ)، قاضي مصر، صاحب فتح الباري وغيره من الكتب المشهورة، وله كتاب: رفع الإصر عن قضاة مصر، وله ديوان شعر مطبوع، وأوسع من ترجم له تلميذه السخاوي في (الجواهر والدرر)، ونقل المحبي عن الشيخ محمد الوسيمي أنه كان يقول في شأن ابن حجر: "الحديث فنه، والشعر طبعه، والفقه يتكلف فيه"، وله في رثاء شيخه البلقيني:
يا عينُ جودي لفقد البحر بالمطرأذري الدموع ولا تُبقي ولا تذري
تسقي الثرى فمتى لام العذول أَقُل(دَعها سمائيةً تَجري عَلى قدرِ)
قال السخاوي: ومن نظمه بعد أن سافر عن حلب، وكان قد تزوج بها امرأة يقال لها (ليلى)، وفارقها عند إرادة الرحيل، حيث لم يتيسر له أن يرحل بها معه:
رحلتُ وخلَّفْتُ الحبيب بدارهبرغمي ولم أجنح إلى غيره ميلا
أشاغلُ نفسي بالحديث تعللانهاري، وفي ليلي أحنُّ إلى لَيْلَى
ومن نظمه في مسألة الشرب قائما
إذا رمتَ تشرب فاقعد تفزبسنة صفوة أهل الحجازِ
وقد صححوا شربه قائماولكنه لبيان الجوازِ
ولما مالت منارة الجامع المؤيدي وخيف سقوطها قال:
لجامع مولانا المؤيد رونقمنارته بالحسن تزهو وبالزينِ
تقول وقد مالت عن القصد: أمهلوافليس على جسمي أضر من (العينِ)
قال ابن حجر في إنباء الغمر: "فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني فقال له: إن فلانا عرَّض بك، فغضب واستعان بمن نظم له بيتين ينقض هذين البيتين ونسبهما لنفسه، وعرف كل من يذوق الأدب أنهما ليسا له؛ لأنه لم يقع له قريب من ذلك".
منارة كعروس الحسن إذ جليتوهدمها بقضاء الله والقدرِ
قالوا: أصيبت بعين قلت: ذا غلطما أوجب الهدم إلا خسة (الحجرِ)
وليكن هذا آخر ما نذكره من التراجم، ليكون الحديث بعد ذلك عن القضاء في لبوس الأدب، وللحديث تتمة إن شاء الله ..
نُشر هذا المقال أولاً في مركز مسارات للبحوث والدراسات.