أفهام الناس قاصرة يعتريها ما يعتريها، ولهذا يقع الخطأ في فهم النصوص، وهو أحد الأسباب التي ذكرها ابن تيمية رحمه الله في رفع الملام عن الأئمة الأعلام. والتعليمُ عن طريق الخطأ الذي يقع فيه الناس محبوبٌ للناس؛ لأنه لا يمس ذواتهم، ولأنه يريهم الخطأ لا في صورة تجريدية نظرية، ولأنه أيضًا يشعر بعض النفوس بالتفوق والاستعلاء، وقد يرضي نفوسًا أخرى تفرح لوقوع غيرها في الخطأ.
الخطأ قديم!
والخطأ في فهم النصوص قديم، واقع في فهم الكتاب والسنة وأقوال السلف، تجده في التفسير عند قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 8]، وغيرها من الآيات، وأما الخطأ في فهم الكلمات القرآنية فكثير جدًّا، جمع فيه بعضهم جمعًا مفيدًا١.
كما تجده في السنة في أحاديث كثيرة، كحديث: «ليس الشديد بالصُّرَعة»، وحديث: «أتدرون مَن المفلِس؟»، وحديث: «يقول ابن آدم: مالي مالي»، وحديث: «ما تعدون الرَّقوب فيكم؟»، وغيرها من الأحاديث، وتجد أمثلة له فيما استدركته عائشة على الصحابة، وجمعه الزركشي الشافعي (794هـ) في كتابه الإجابة، وأمثلة أخرى في التصحيف عند المحدّثين.
الأمثال مصابيح الأقوال!
وليس القصد في هذه المقالة إلى جمع ما ورد في ذلك، لكن سأقتصر على مثال واحد من الكتاب ومثال من السنة، قبل تناول الأخطاء الخاصة بالفهم في باب القضاء.
1. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].
قال عروة بت الزبير: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ قالت: بئسما قلت يا ابن أختي! إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: فلا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ الآية، قالت عائشة: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما٢.
فأنت ترى كيف صحَّحتْ عائشة رضي الله عنها لابن الزبير فهمه للآية، قال الزركشي: «وقيل: إن ابن الزبير أخذ بظاهر الاستعمال، ودققت عائشة النظر»٣.
2. حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت؟! قال: «ليس ذاكِ، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبَّ إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاه، وإن الكافر إذا حُضر بُشّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله وكره الله لقاه»٤، قال ابن عبدالبر: «فهذه الآثار قد بان فيها أن ذلك عند حضور الموت ومعاينة ما هنالك»٥.
يا بنيّ إنك لغافل!
ومن لطيف ما يذكر في خطأ الفهم: ما روي عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن، فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي، وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق، فقلت لأبي: غدًا تجري الخيل؟ أيستبق الناس غدًا؟ فقال: يا بني إنك لغافل، إنما هو السباق بالأعمال. ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا، فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سَبق إلى الجنة٦.
ويَذكر وهو طفل صغير أنه حضر الجمعة مع أبيه، فكان يسمع الخطيب في فاتحة الخطبة الثانية يقول: «الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين»، فيسوؤه ذلك، كيف يعاقب المتقون؟! وإذ عوقب المتقون فمن يثاب إذن؟! ظنًّا منه أن العاقبة هي العقوبة، ولم يسأل أحدًا عن ذلك، وكانت الأيام كفيلة بتصحيح ما فهمه.
آيات في باب القضاء
من الآيات التي يقع الخطأ في فهمها وهي متعلقة بالقضاء وما إليه:
1- قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
والخطأ في قَصر معنى الآية على رشوة الحكام، وهو أحد التفسيرين في الآية، ورجحه ابن عطية؛ بأن الحكام مظِنة الرشا إلا من عصم الله، ولأن اللفظتين متناسبتان: (تدلوا) من أرسل الدلو، والرشوة من الرشاء.
والتفسير الآخر هو الأشهر عند السلف وعليه جمهورهم: وهو أن الآية في المخاصمة إلى الحكام بالباطل، قال ابن عباس: «هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حرامًا»٧.
قال ابن القيم: «والآية تتناول النوعين»٨.
2- قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282].
استدل بها الحنفية على أنه لا يُقضى بشاهد ويمين ولا بقسامة؛ لأن الله شرع فصل القضاء بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فكان الفصل بغير ذلك مخالِفًا للكتاب٩.
وأجاب عن ذلك جمهور الفقهاء: بأن الله لم يحرم أن نحكم بأقل مما نص عليه في كتابه، والآية إرشاد لأصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب وليست هي للحكام، فطرق الحكم شيء وطرق حفظ الحقوق شيء آخر١٠.
3- قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38].
تقطع يد السارق بشروطها من مفصل الكف، وقد أخطأ بعض الناس فظن القطع من المرفق، في القصة المشهورة التي حكاها الشيخ عبدالله بن عقيل (1432هـ) فقال: «وهنا قصة مرت علينا حين كنا في مجلس القضاء الأعلى، وهي أنه قبل ثلاثين سنة حصلت حادثة سرقة، وحكمت المحكمة بقطع يد السارق، وفي صك الحكم: (وتقطع من الكوع)، وصدق الحكم من محكمة التمييز، ورفع إلى ولي الأمر فأمر بتنفيذه، فلما أرادت الشرطة تنفيذه حصل خلاف بين الضابط والمتولي للقطع، أحدهما يقول: القطع من مفصل الكف، والآخر يقول: الذي في الصك (من الكوع) فعلينا تنفيذه، وبعد جدال ونقاش بينهما اتفقا على قطعه من الكوع، فقطعوه من المرفق كما يظن أكثر الناس أن الكوع هو مفصل المرفق، ولم يعلموا أن الكوع هو مفصل الكف، فعظم الأمر علينا كثيرًا، وجاء التوجيه بمعاقبة من تسبب في ذلك»١١.
حديث الأعرابي
والقطع يكون ليد السارق اليمين، بدليل قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وهو إجماع، ومن لطيف ما يذكر هنا: أن أعرابيًّا جلس إلى زيد بن صُوحان وهو يحدّث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إنَّ حديثك ليعجبني، وإن يدك لتَريبني! فقال زيد: وما يَريبك من يدي؟ إنها الشِّمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صُوحان: صدق الله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97]١٢.
4- قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: 108].
استدل بها بعض العلماء في مسألة رد اليمين على المدعي١٣.
ولم يرَ ابن تيمية ذلك صوابًا، فقال: «هو والله أعلم من الرد بمعنى الترديد والتكرير، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: «لا يَخلق على كثرة الرد»، أي: تردد أيمان بعد أيمانهم، ليس هو من الرد الذي هو رد اليمين، كرد النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعى عليهم في القسامة لما امتنع المدعون من الأنصار، وكالرد المختلف فيه؛ لأنه هنا لم يحلف الأول فردّت اليمين على الثاني»١٤.
5- قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113].
استدل بها بعض العلماء على عدم تولي القضاء للحكام الظلمة.
ورد ذلك الشوكاني فقال: «أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية الله، فهي -على فرض صدق مسمى الركون عليها- مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها، ولا شك في هذا ولا ريب، فكل من أمروه ابتداءً أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها، إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه، فذلك واجب عليه فضلًا عن أن يقال: جائز له ...»١٥.
6- قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].
يخطئ بعض الناس عند حمل النهي في الآية على التزكية والتعديل عند القاضي.
وقد نبه إلى خطأ هذا ابن عاشور فقال: «لا يدخل في هذا النهي: الإِخبارُ عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجُرّبوا فيه من ثقة وعدالة في الشهادة والرواية، وقد يعبر عن التعديل بالتزكية، وهو لفظ لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، بل هو لفظ اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن، ومرادهم منه واضح»١٦.
وأحاديث في باب القضاء
وأما الأحاديث التي يقع الخطأ في فهمها في باب القضاء فكثيرة، منها:
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين»١٧.
قال أبو العباس ابن القاص الشافعي (335هـ): «حديث أبي هريرة ليس عندي ذلك في كراهته وذمه، إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس بترك الهوى، والله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] ... فناهيكم به فضيلة وزلفى إلى عز وجل لمن قضى بالحق في عباده، إذ جعله ذبيح الحق امتحانًا، لتعظم له المثوبة امتنانًا ... (جعل الله إسماعيل ذبيحًا لأنه استسلم لأمر ربه)، فكذلك القاضي عندنا -والله أعلم- لما استسلم لحكم الله واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم جعله الله ذبيح الحق بغير سكين، فجعله الله ذبيح الحق امتحانًا؛ لتعظم له المثوبة امتنانًا»١٨.
والصحيح أن هذا الحديث في الترهيب من القضاء، قال الشوكاني: «وعلى كل حال، فحديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا ترغيبهم، وهذا هو الذي فهمه السلف والخلف، ومن جعله في الترغيب فقد أبعد، وقد استروح كثير من القضاة إلى ما ذكره أبو العباس، وأنا وإن كنت حال تحرير هذه الأحرف منهم، ولكن الله يحب الإنصاف»١٩.
2- حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار»٢٠.
يخطئ كثير من الناس حين يظن أن هذا الحديث في قسمة أعيان القضاة إلى ثلاثة أقسام، فقسمان في النار وقسم في الجنة، ويزيد بعضهم فيقول: هذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الآن فـ ...!
وهذا خطأ ظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين في الحديث أنه قسمة أوصاف لا قسمة أعيان، فمن قضى بالعلم والعدل فهو من أهل الجنة، وقد يكون القضاة في زمن كلهم كذلك، ومن قضى بالجهل أو بالهوى فهو متوعَّد بالنار، وقد يكون القضاة في زمن كلهم كذلك، والعياذ بالله، فهذا هو المعنى الصحيح للحديث.
والعهدة فيه على قائله!
ومن لطيف ما يُروى -والعهدة فيه على قائله- أن القاضي الأديب عبدالعزيز البشري كان حسن العشرة سريع البديهة، وإبان عمله قاضيًا في أحد الأقاليم المصرية اجتمع مع الفريق إبراهيم فتحي، فأراد الفريق أن يمازح الشيخ البشري فقال: يا شيخ، هل في الحديث الشريف: «قاض في الجنة وقاضيان في النار»؟ فقال الشيخ البشري: نعم، وفي القرآن: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7].
يقول العقاد: سألت البشري عن هذه القصة فلم يثبتها ولم ينكرها، ولكنه استطرد منها قائلًا: إن (حفني ناصف) هو السابق إلى جواب من هذا الباب، قال له بعضهم: قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار؟ فقال: والناصف هو الذي في الجنة٢١.
3- حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»٢٢.
يخطئ بعض الناس في تضمين كل يد قابضة، استدلالًا بهذا الحديث، حتى إن هذا الحديث يذكر في تسبيب بعض الأحكام القضائية لهذا المعنى.
والصواب أن بعض الأيدي الأمينة مستثنى بدليل الإجماع، أو بأحاديث أخرى في إسنادها ضعف، ولو قيل: إن الحديث خاص باليد التي أخذت وهي اليد الظالمة المعتدية كيد الغاصب، أما اليد التي أُعطيت بإذن المالك فإنها يد أمانة ولا ضمان عليها = لكان معنًى حسنًا، ولم يقل أحد بتضمين جميع الأيدي القابضة، بل هم متفقون على تقسيم الأيدي إلى يد ضمان ويد أمانة، فظهر بهذا أنه لا يتم الاستدلال بالحديث على أن الأصل في جميع الأيدي القابضة الضمان، وما يذكره بعض الفقهاء من أن الأصل في القابض لمال غيره الضمان، لا بد أن يزاد فيه قيد: أن يكون القبض بغير إذن المالك أو الشارع٢٣.
4- قوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»٢٤.
يخطئ بعض الناس في هذا الحديث في أمرين
الأول: حصر البينة في الشاهدين فقط، والصحيح أن البينة أعم من ذلك، فهي كل ما أبان الحق وأظهره، ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد فلم يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مرادًا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادًا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة، فقوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي» المراد به: أن عليه بيان ما يصحح دعواه ليُحكم له، والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها، كدلالة الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد. والبينةُ والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة المعنى٢٥.
والثاني: جعل البينة دائمًا في جانب المدعي واليمين دائمًا في جانب المدعى عليه، قال ابن تيمية عن هذا الحديث: «ولم يقل بعمومه أحد من علماء الملة إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة وغيره، فإنهم يرون اليمين دائمًا في جانب المنكر، حتى في القسامة يحلّفون المدعى عليه، ولا يقضون بالشاهد واليمين، ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول، واستدلوا بعموم هذا الحديث، وأما سائر علماء الملة من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم، مثل ابن جريج ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق فتارة يحلفون المدعي، وتارة يحلفون المدعى عليه، كما جاءت بذلك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم»٢٦.
5- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»٢٧.
يخطئ بعض القضاة حين يظن أنه إذا حكم بأيسر اجتهاد فقد أدى ما عليه، وأنه دائر حينئذ بين الأجر والأجرين، قال ابن دقيق العيد: «وكثيرًا ما رأيتهم يستهينون في هذا بقولهم: (الواجب في ذلك بذل الجهد، والخطأ بعد بذل الجهد معفو عنه) وهذا صحيح، ولكن الشأن في بذل الجهد فهاهنا تُسكب العبرات»٢٨.
وقال ابن تيمية: «لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء: أن يكون الرجل قاصرًا في درك حكم تلك المسألة فيقول مع عدم أسباب القول، وإن كان له فيها نظر واجتهاد، أو يقصر في الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته مع كونه متمسكًا بحجة، أو يغلب عليه عادة أو غرض يمنعه من استيفاء النظر لينظر فيما تعارض عنده، وإن كان لم يقل إلا بالاجتهاد والاستدلال، فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه الاجتهاد قد لا ينضبط للمجتهد، ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا، خشية أن لا يكون الاجتهاد المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة»٢٩.
6- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»٣٠.
أخطأ بعض الناس حين جعل الأنظمة الإجرائية التي تصدرها الجهات المختصة، والتزام القاضي بها داخلًا في حكم هذا الحديث، وذلك كنظام المرافعات الشرعية ونحوه، وهذا خلاف الصواب؛ لأنها هذا باب واسع من المصالح المرسلة، التي لولي الأمر فيها سلطة بالتنظيم، ولا تتعلق بموضوع الدعوى ولا بما يحكم به القاضي، وقد عُرف عن السلف ترتيبات تناسب عصرهم تتعلق بالآجال والدخول على القاضي وترتيب الخصومات.
أما الأنظمة التي تتعلق بالموضوع ولا تخالف الشريعة وإنما هي اختيار من المسائل المختلف فيها فهي التي في شأنها الخلاف المشهور في حكم التقنين بين مؤيد ومعارض، ولا ينبغي أن يظن بالمجيز أنه مميع قد هان عليه دينه، ولا بالمانع أنه متشدد لا يفقه الواقع، والمسألة مبحوثة في مظانها.
7- عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار»٣١.
يخطئ بعض الناس فيظن أن حكم القاضي يغير الشيء عن حقيقته ويجعل الحرام حلالًا، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث إلى خطأ هذا الفهم، وبوب البخاري عليه: باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه؛ فإن قضاء الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، وقال قتادة: «اعلم يا ابن آدم، أن قضاء القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يحق لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى ويشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب. واعلموا أن من قد قضي له بالباطل فإن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا»٣٢.
وبعدُ .. فهذه ست آيات وسبعة أحاديث وقع الخطأ في فهمها، بعضها من أخطاء العلماء وبعضها من أخطاء العامة، وبعضها يحتمل الاجتهاد وبعضها لا يحتمله، ولم يكن القصد الجمع والاستقصاء، ولا تتبع الأخطاء، وإنما الأمر كما قال أبو أحمد العسكري (382هـ): «وبدأت بذكر جملة من أخبار المصحّفين، وبعضِ ما وهم فيه العلماء، غير قاصد للطعن على أحد منهم، ولا الوضع منه، وما يسلم أحد من زلة ولا خطأ إلا من عصم الله»٣٣، والله المستعان.
محرم 1444هـ
الهوامش
- ينظر: كتاب أكثر من 200 كلمة قرآنية قد تفهم خطأ لعبد المجيد السنيد https://quranpedia.net/ar/book/26054 ↩
- رواه البخاري (1643) ومسلم (1277). ↩
- الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ص144. ↩
- رواه البخاري (6507) ومسلم (2684). ↩
- الاستذكار (3/ 94). ↩
- من حديث سفيان الثوري (171)، وأخرجه ابن جرير في تفسير سورة القمر (22/ 107)، والحاكم في المستدرك (8800) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في الضعيفة (10/ 480)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34798) بدون موضع الشاهد. ↩
- ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (3/ 424)، قال ابن كثير: "وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم" التفسير (1/ 521). ↩
- إعلام الموقعين (1/ 96). ↩
- شرح أدب القاضي لابن مازه (2/ 123). ↩
- ينظر: الطرق الحكمية ص182 وص359. ↩
- تحقيق المراد في شرح متن الزاد ص607. ↩
- رواه ابن سعد في الطبقات (6/ 123) وابن جرير في التفسير (11/ 632). ↩
- ينظر: الطرق الحكمية ص230. ↩
- جامع المسائل (8/ 104). ↩
- فتح القدير (2/ 540). ↩
- التحرير والتنوير (27/ 106)، وينظر: المحرر الوجيز (5/ 502). ↩
- رواه أحمد (7145)، وأبو داود (3571)، والترمذي (1325)، وابن ماجه (2308)، وصححه الحاكم في المستدرك (7018)، ووافقه الذهبي، وحسنه البغوي في شرح السنة (10/ 92)، وابن الملقن في البدر المنير (24/ 419)، قال ابن حجر في التلخيص (6/ 3167): "وكفاه قوة تخريج النسائي له"، وصححه الألباني في غير موضع. ↩
- أدب القاضي (1/ 82). ↩
- نيل الأوطار (10/ 516). ↩
- رواه أبو داود (3573)، والترمذي (1322)، وابن ماجه (2315)، قال ابن عبدالهادي في المحرر ص637: "إسناده جيد"، وقال في التنقيح (5/ 62): "وهو حسن أو صحيح"، قال ابن حجر في الفتح (13/ 147): "وقد جمعت طرقه في جزء مفرد". ↩
- يوميات عباس العقاد ص9. ↩
- رواه الإمام أحمد (20086)، وأبو داود (3561)، وابن ماجه (2400)، والترمذي (1266) وقال: "حديث حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح"، وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه خلاف مشهور على أقوال، ثالثها وهو قول الجمهور: أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، والحديث ضعفه الألباني كما في الإرواء (1516) وغيره. ↩
- ينظر لكاتبه: الضمائم (1/ 68): هل مجرد إقرار المدعى عليه بالقبض قرينة تقوي جانب المدعي؟ ↩
- رواه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 252)، قال النووي في شرح مسلم (12/ 3): "بإسناد حسن أو صحيح"، وصححه ابن حجر في البلوغ ص430، وقال في الفتح (5/ 283): "وهذه الزيادة ليست في الصحيحين وإسنادها حسن"، قال ابن رجب: وقد استدل الإمام أحمد وأبو عبيد بهذا اللفظ، وهذا يدل على أنه عندهما صحيح محتج به. جامع العلوم والحكم (2/ 227). ↩
- ينظر: الطرق الحكمية ص25، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (35/ 392-394). ↩
- مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/ 391)، ونقله ابن القيم في الطرق الحكمية ص248. ↩
- رواه البخاري (7352) ومسلم (4487). ↩
- شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (1/ 157). ↩
- رفع الملام ص43، وهي في مجموع الفتاوى (20/ 255). ↩
- رواه البخاري (2697) وفي رواية أبي ذر وكريمة: "ما ليس منه"، ورواه مسلم (4492)، ولمسلم (4493): "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ↩
- رواه البخاري (7169) ومسلم (4473). ↩
- تفسير ابن جرير (3/ 277). ↩
- تصحيفات المحدثين ص5. ↩
نُشر هذا المقال أولاً في مركز مسارات للبحوث والدراسات.