القضاء في الإسلام بالمنزلة التي لا تخفى، والقاضي إذن كذلك، وقد ولي هذا المنصبَ الشريف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده، والعلماء والصالحون، ولابد للناس من قاضٍ يفصل بينهم حين يقع النزاع، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في فضل العدل بين الناس، وبوب البخاري في صحيحه في كتاب الصلح: بابٌ فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم، وذكر فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "كلُّ سلامى من الناس عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة".
ومن الأحاديث المرغبة في القضاء قولُه عليه الصلاة والسلام: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل .."، قال العلماء: ويدخل فيه القاضي، وكلُّ من وكل إليه نظر في شيء من أمور المسلمين ومصالحهم، وقولُه صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، وآخرُ آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" متفق عليه، وقولُه صلى الله عليه وسلم: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وما ولوا" رواه مسلم، وقد اشتطَّ قوم فرأوا أن قوله صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" وارد في الترغيب في القضاء، حتى قال أبو العباس ابن القاص رحمه الله: "جعله الله ذبيح الحق امتحانا، لتعظم له المثوبة امتنانا"١، وعقب الشوكاني رحمه الله على هذا بقوله: "وعلى كل حال، فحديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا ترغيبهم، وهذا هو الذي فهمه السلف والخلف، ومن جعله في الترغيب فقد أبعد، وقد استروح كثير من القضاة إلى ما ذكره أبو العباس، وأنا وإن كنت حال تحرير هذه الأحرف منهم، ولكن الله يحب الإنصاف، وقد ورد في الترغيب في القضاء ما يغني عن مثل ذلك التكلف"٢. وقال التابعي الجليل مسروق رحمه الله: "لأن أقضي يوما واحدا بحق وعدل أحب إلي من سنة أغزوها في سبيل الله تعالى"، وعقّب ابن مازه الحنفي (536هـ) في شرح أدب القاضي على هذه الكلمة بقوله: "ذكر مسروق محاسن القضاء لأنه ابتلي به، ومن ابتلي بشيء ذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة"٣.
وأحاديث في الترهيب!
هذا، وقد جاءت الأحاديث في الترهيب من تولي منصب القضاء، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أهل السنن: "القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار"، والحديث المتقدم في ذبح القاضي بغير سكين، وأحاديث دون ذلك في الصحة، رواها أهل العلم في مصنفاتهم.
قال ابن فرحون (799هـ) رحمه الله: "اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء، وشددوا في كراهية السعي فيها، ورغبوا في الإعراض عنها والنفور والهرب منها، حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه وألقى بيده إلى التهلكة، ورغب عما هو الأفضل، وساء اعتقادهم فيه، وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه، والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانته من الدين، فبه بعثت الرسل، وبالقيام به قامت السموات والأرض، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من النعم التي يباح الحسد فيها ...".
إلى أن قال: "واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد فإنما هي في قضاء الجور للعلماء أو الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم، ففي هذين الصنفين جاء الوعيد، فالتحذير الوارد من الشرع إنما هو عن الظلم لا عن القضاء، فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر ... وما أشبه ذلك من التهديد والتخويف، إنما هو في حق من علم من نفسه الضعف وعدم الاستقلال بما يجب عليه، وكذلك من رأى نفسه أهلا لذلك المنصب والناس لا يرونه أهلا لذلك"٤.
كراكب البحر!
ومهما يكن من أمر، فإن القاضي على خطر عظيم، كراكب البحر لا يدري متى يُكسر به ومتى تهيج الأمواج، فليكن دعاؤه دائما: يا رب سلِّم سلِّم، وقد استشعر هذا القاضي أبو عبيد بن حربويه (319هـ) رحمه الله، وذلك أنه تداعى عنده رجلان، فقال أحدهما: أيد الله القاضي لي على هذا خمسة دنانير، فقال القاضي: مصرية؟ فقلت نعم، فقال القاضي: حالة؟ فقلت نعم، فقال القاضي للخصم: ما تقول؟ فضحك متعجبا، فصاح القاضي صيحة ملأت الدار، وقال: مم تضحك؟! لا أضحك الله سنك!! ويحك، تضحك في مجلسٍ اللهُ مطلعٌ عليك فيه، ويحك، تضحك وقاضيك بين الجنة والنار، فأرعب القاضي الرجلَ، وقال: أنا أدفع إليه٥.
وعلى هذا النحو من إحساس القاضي بعظم المسؤولية يقول الرافعي الأديب في زاوية كانت تنشر في مجلة الرسالة بعنوان (كلمة وكليمة) جُمعتْ بعد ذلك في كتاب صغير، وهي أشبه شيء بالتغريدات والجمل القصيرة، يقول رحمه الله: "إذا كان القاضي صاحبَ دين وذكاء وفهم وضمير؛ فكثيراً ما يرى نفسه محكوماً عليه أن يحكم على الناس"، نعم هكذا، محكوما عليه أن يحكم على الناس!
لقد خفت من نفسي!
وقد وصف الأديب توفيق الحكيم (1987م) في مقالة كتبها بعنوان (لقد خفت من نفسي) وقد كان وكيل نيابة وهي من أعمال القضاء، وصف ما وجده من خطر الكلمة التي تصدر عن القاضي، فذكر كيف وقع بين يديه في التحقيق صديقان قديمان له من أيام الدراسة، اتهما في جريمة سطو على بائع مسكين، وكانا يظنان أن يتم الإفراج عنهما من صديقهما القديم، الذي أمر بتجديد حبسهما على ذمة القضية، ولنترك الحديث للحكيم إذ يقول: "ومرت أربعة أيام .. وجاء ميعاد تجديد أمر الحبس، وجاء بهما العسكر إلى جلسة المعارضة، فنظرتُ إليهما وهمستُ: سبحان مغير الأحوال! لقد ذهبت الأناقة، واختفت الابتسامة، وولى الاستكبار والاستهتار، وإذا أنا أمام رجلين طال منهما شعر الذقن، وتمزقت الثياب من شد العسكري وجذب السجان، واتسخت الأبدان من الرقاد على الاسفلت، وانطفأت نظرة التدلل والاستعلاء، وخرس لسان العز، وهتف صوت التذلل والاستعطاف.
قلت في نفسي وأنا أسترق إليهما النظر: جملةٌ صغيرةٌ من قلمي الأحمر في ذيل المحضر صيرتهما إلى ما أرى من المذلة والهوان، وإلى ما لن أرى من المستقبل المظلم والمصير المدلهم، هذان الزميلان القديمان قد كتب عليهما أن يقعا في يدي لأغير حياتهما الباسمة، وأنتزعهما من حلبة السباق لألقي بهما في غياهب السجون، كلمة صغيرة مني، يا للهول! لو أني جعلتها: (تأمر بالإفراج عن المتهمين بالضمان المالي) إلخ لكانا اليوم في الإسكندرية ينعمان بنسيم البحر وينطلقان بالسيارة الفاخرة يطلقان الضحكات الساخرة، ولكني أمرت بالحبس، عبارة صغيرة مني تغير مصائر الناس إلى هذا الحد، إني إذن لرجل مخيف، ولأول مرة وقع في نفسي شعور الخوف من نفسي، لطالما أمرت بحبس كثير من الناس، ولكني ما كنت أعرفهم إلا من المحاضر والأوراق، كانوا مادة عملي اليومي أتصرف في مصائرهم دون وعي أو اهتمام بأمرهم، شأني شأن الطاهي الذي يذبح في كل يوم الدجاج والحمام والأرانب دون أن يخطر له الرثاء لحالها، أو البحث في مآل صغارها، أو التفكير فيما أحدثه من تغيير في مجرى حياتها.
أما هذان الزميلان فإني أعرفهما وعشت معهما لحظات من العمر هي أصفى وأجمل ما يحفظه الإنسان من أيام عمره، ومهما يكن من أمر ذنبهما فإن يدي هي التي بطشت بهما، وقررتْ مصيرهما، وغيرت وبدلت في صفحة حياتهما.
وهبني أخطأت في تقدير الأدلة ووزن التهمة، وأنا لست بمعصوم، فأي كارثة أنزلتها بمستقبل زميلين، يا لي من رجل مخيف! ما هذه القوة التي في يدي؟! ما هذا الجبروت؟! إذا أصبت أو أخطأت فإن قراري صاعقة تهبط على رؤوس الناس فتحدث في شؤونهم الأحداث، من أعرف منهم ومن لا أعرف، وشيّعت الزميلين بنظرة أخيرة، والحرس يعودون بهما إلى السجن، وقد تجدد أمر حبسهما على ذمة القضية، فذهبا يائسين محطمين، وقد اسودت الدنيا في عيونهما المنطفئة، بينما أطرقت أنا وهتفت من أعماق نفسي المرتاعة: اللهم اكفني واكف الناس شري!!" ٦.
وما ذكره الحكيم من الرأفة والرحمة بالمخطئ أو المحكوم عليه أمر محمود، ما لم يكن في ذلك تعطيل لأحكام الشريعة، وبهذا فسر قوله تعالى: ﴿ولا تأخذْكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: 2]، فنهى عن الرأفة في دين الله المانعة من إنفاذ الحكم، أما الرأفة الطبيعية فهذا مما لا يملكه القاضي ولا يلام عليه.
وقع الأحكام!
كما أن ما ذكره من حال صديقيه القديمين حين سماعهما الحكم الصادر في حقهما ينبئ بعظم المسؤولية على القاضي، حين يعلم أن مصائر الناس في يديه، وأن الكلمة التي تصدر منه تزهق بها نفوس وتفرق أسر وتقام حدود وتغرم أموال إلخ، حتى إن كثيرا من الناس لا يحتمل ما يسمع من حكم القاضي، ويثقل وقعه عليه، وقد وقع هذا لي ولغيري من القضاة ولو جلستَ إلى أحدهم لحدثك بأمثاله، ففي أثناء عملي قاضيا في المحكمة العامة بالرياض وبعد نطقي بالحكم في قضية مالية سقط المحكوم عليه مغشيا عليه، ولم يكن المبلغ المحكوم به كبيرا لكن لعل المدعى عليه كان ضعيف النفس أو رقيق الطبع، وبقي مدة حتى استفاق، فلا أدري أكان غشيا أم تغاشيا؟! ومرة بعد صدور الحكم في قضية فسخ نكاح امرأة من زوجها قام الزوج يصرخ، واتجه للجدار يضرب رأسه فيه حتى سقطت النظارة من عينيه!! ومرة بعد أن فسختُ نكاح زوجة من زوجها تنحت جانبا وخرت ساجدة شكرا لله تعالى، وما لا أحصي يرفع المدعي يديه داعيا للقاضي وحامدا لله تعالى، في وقائع كثيرة يعرفها القضاة، ومما يحسن ذكره وقد ذكرنا الدعاء للقاضي من المحكوم له أن نذكر هذه الحكاية الطريفة التي وقعت لبعض قضاة السلف: فقد لقي رجلٌ القاضيَ المفضلَ بن فضالة الغساني قاضي مصر بعدما عُزل، فقال: حسبك الله قضيتَ علينا بالباطل! فقال له المفضل: لكن الذي قضيتُ له يطيب الثناء٧.
طوقان
وبعد هذا الذي تقدم وإن خرجنا به عن بعض المقصود، فإن طريق النجاة وطوقها في أمرين:
الأول: القضاء بعلم لا جهل.
والثاني: القضاء بعدل لا هوى.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذين الأمرين في حديث: "القضاة الثلاثة"، فروى أهل السنن عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الحاكم، ولنا مع هذا الحديث وقفات في مقالة قادمة إن شاء الله.
الطوق الأول: القضاء بالعلم
فأما القضاء بعلم: فإنه يشمل العلم بثلاثة أشياء:
1- العلم بالواقعة القضائية وذلك بسماع ما لدى الطرفين المتخاصمين واستيفاء بيناتهم وحججهم.
2- والعلم بالحكم الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- والعلم بتنزيل الحكم الشرعي على الواقعة محل الدعوى.
فمتى اجتمعت هذه الثلاثة للقاضي فقد استوفى مرتبة العلم اللازم، وفي ظني أن أكثر النقص الذي يدخل على القضاة هو من هذا الباب، فقد لا يستوفي القاضي سماع ما لدى الطرفين وقراءة مذكراتهم، أو يحكم بما يظنه الصواب من غير يقين ومراجعة لكلام أهل العلم، ولا يكفيه أن يقول: إنني اجتهدتُ والمجتهد معذور فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، متشبثا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: "كثيرا ما رأيتهم يستهينون في هذا بقولهم: (الواجب في ذلك بذل الجهد، والخطأ بعد بذل الجهد معفو عنه)، وهذا صحيح، ولكن الشأن في بذل الجهد، فهاهنا تسكب العبرات"٨.
وعلى القاضي أن يسأل نفسه عند كل قضية يحكم فيها: هل بذل الجهد واستفرغ الوسع في سماع ما لدى الطرفين؟ وهل بذل الجهد في معرفة الحكم الفقهي للمسألة؟ وهل كان تنزيله للحكم الشرعي على الواقعة صحيحا؟ على أن العلم بالحكم الشرعي يدرك بدراسة الفقه من مظانه، فهو موضوع خصومات الناس، والفقه الذي يدرسه الطالب في كليات الشريعة في المملكة العربية السعودية كافٍ إن شاء الله، إلا أن الواقعة القضائية لا تأتي سافرة كالمسألة الفقهية في الكتاب، بل تأتي مختلطة بغيرها من الواقعات وتسلسل الأحداث في حياة الناس من بيعهم وشرائهم ونكاحهم وجناياتهم إلخ، وعلى القاضي أن يمحص الوقائع كما يفعل من وجد جوهرة ثمينة في أوحال من التراب، وأدواته في ذلك: الفهم الفهم كما في وصية عمر لأبي موسى، والرفق والتأني وحسن الاستماع، والقصد إلى محل النزاع، والفصل بين الوقائع المؤثرة وغير المؤثرة، ويُدرك جلُّ ذلك: بملازمة الأشياخ في مجالس القضاء، والتدرب تحت أعينهم، وممن أفرد طريقة تنزيل الأحكام على الوقائع بالتصنيف فأحسن غاية الإحسان: الشيخ عبدالله بن خنين في كتابه (توصيف الأقضية)، فراجع ما كتبه هناك والله يتولاك.
الطوق الثاني: القضاء بالعدل
وأما القضاء بعدل لا هوى، فهو الطوق الثاني للنجاة، والأعم الأغلب إن شاء الله أن القاضي لا يقصد إلى الميل مع أحد الطرفين، لأنه لا مصلحة له في ذلك، أو يجب أن لا تكون له مصلحة، وربما وقع شيء من ذلك رغبة أو رهبة، ولولا أنه ممكن الوقوع لما نهى الله عنه، ولهذا وجب الحذر من سلوك هذا الطريق أو التهاون فيه، ولا يلزم أن يكون الحكم بالهوى ناتجا عن أخذ رشوة مالية، بل قد يكون لأمر دون ذلك، ومسارب الهوى كثيرة، والله مطلع على السرائر، قال ابن عاشور رحمه الله في تفسيره التحرير والتنوير وهو من مفاخر المتأخرين: "والتعريف في الهوى: تعريف الجنس المفيد للاستغراق، فالنهي يعم كلَّ ما هو هوى، سواء كان هوى المخاطَب أو هوى غيره، مثل هوى زوجه وولده وسيده وصديقه، أو هوى الجمهور ... واتباع الهوى قد يكون اختيارا، وقد يكون كرها، والنهي عن اتباعه يقتضي النهي عن جميع أنواعه، فأما الاتباع الاختياري فالحذر منه ظاهر، وأما الاتباع الاضطراري فالتخلص منه: بالانسحاب عما جره إلى الإكراه"٩.
والقصد من الحكم بالعدل: أن لا يتبع القاضي هواه، أما أن يكون له هوى في القضية فهذا مما لا يكاد يسلم منه أحد، فإن القاضي أحيانا إذا رأى الخصم ضعيفا أو فقيرا ربما مال بقلبه إليه، ورجا أن يكون الحكم له، وعن مثل هذا نهى الله تعالى فقال: ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ [النساء: 35]، وقال الله: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ [ص: 26]، قال ابن مازه في شرح أدب القاضي: "فيه دليل على أن المنهي عنه إنما هو اتباع الهوى لا نفس الهوى، وهذا لأن الإنسان إنما يخاطب بالامتناع عما في وسعه، والهوى ليس في وسعه الامتناع عنه، فإنه إذا جثا الخصمان بين يديه لابد أن يقع في قلبه أنه ينبغي أن يكون المال لهذا أو لهذا، لكن هذا لا يمكن التحرز منه"١٠.
والدعاء أيضًا
ومع هذا وهذا، فلابد من لجوء القاضي في كل حين إلى ربه وسؤاله التوفيق، كما علم النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه أن يدعو بالهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم، وقد كان القاضي عبدالله بن عمر بن غانم (190هـ) قاضي أفريقية له حظ من صلاة الليل، فإذا قضاها وجلس في التشهد آخرها عرض كل خصم يريد أن يحكم له على ربه، يقول في مناجاته: يا رب، فلان نازع فلانا وادعى عليه بكذا فأنكر دعواه، فسألته البينة فأتى ببينة شهدتْ بما ادعى، ثم سألته تزكيتها فأتاني بمن زكاهم، وقد أشرفتُ أن آخذ له من صاحبه بحقه الذي تبين لي أنه حق له، فإن كنتُ على صواب فثبتني، وإن كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسْلِمني، اللهم سلّمني، فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم"١١.
خاتمة
وبعدُ .. فمذهبنا في الخوف من الغفلات حق، ولكن هناك حقيقة أقوى من ذلك وأظهر وأجلى: وهي أن الله يؤيد المؤمن بالعزائم، فتكون إرادته أقوى من نداء الشهوات، ويكون مؤهلا للأعمال الجليلة التي ندبه الله لها، من خلافة في الأرض، وإصلاح بين الناس، وتقويم كل اعوجاج، وما الخوف إلا طبيعة رقابية تتولى الحفظ والتنقية من الشوائب، لأن المحيط فيه غبار، الشيطان يثيره، ولأن الطريق فيه عثار، إبليس يمد رجله بين أرجل الراكضين.
فسيروا على بركة الله .. وعلى قدر المؤونة تكون المعونة، أنتم الخيار المصطفون، وهذان طوقا النجاة: العلم والعدل، وهذا أخ يرجو لكم السلامة وحسن العاقبة، ويشد من عزائمكم على الطريق، ويحثكم على التزود وأخذ الأهبة، وقل لنفسك ما قال الأول: "اطلب الاستقامة فيما أقامك فيه، ولا تطلب الإقالة مما أقامك فيه"، والحمدلله رب العالمين.
ذو القعدة 1443هـ.
الهوامش
- أدب القاضي لابن القاص (1/ 82). ↩
- نيل الأوطار (10/ 516). ↩
- شرح أدب القاضي (1/ 144). ↩
- تبصرة الحكام (1/ 12). ↩
- طبقات الشافعية الكبرى (3/ 453). ↩
- عدالة وفن ص134. ↩
- أخبار القضاة لوكيع (3/ 237). ↩
- شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (1/ 157). ↩
- التحرير والتنوير (23/ 244). ↩
- شرح أدب القاضي (1/ 159)، وينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/ 134). ↩
- ترتيب المدارك للقاضي عياض (3/ 70). ↩